مر عارياً بالمرآة، بدا تعباً، بالكاد تبين ملامحه التي لوّنها الغياب: شعر رمادي، شحوب يفتقد للعذوبة، بضع تجاعيد وهراء.
أمكنه ايضا أن يلحظ كرشه البارز، ومبدأ تهدل كتفيه. بدا بهيئته تلك انسانا أخر، تصادف ان عرفه.
بحركة الية، أمسك فرشاته ومس بها شعره، غير أن نظرته حين غارت في نظرته، طشت الحزن والسواد.. وحفيف الذكرى والنهارات البيضاء.كثيراً ما لا نحفل باجسادنا، نخال أن الحديث عنها ضرب من التهتك، نلفها بانواع الثياب والعبارات السقيمة، ونحرج حين نقف عراة بين ايدي انفسنا.
ثمة الكثير من التابوهات التي تحرم النظر الى الجسد، لكني اقول:
حين تكونون في شبابكم.. احتفوا باجسادكم، لأنها الفرصة الوحيدة لمثل ذاك الاحتفاء.
مر زمن، كان جسده اشبه برمح وثني، ولطالما تامله، بفعل نرجسي متقصد، مثلما فعلنا جميعاً ذات غوى.
يحرص على تسريحة شعره، ودقة حلاقة ذقنه، وقميصه وبنطاله البهيج الذي ينم عن تطرف في موضة، واناقة لا ينقصها الذوق.. الذوق الرفيع.
حذاء لماع دائماً ، وأحيانا قبعة "ماوتسي تونغ" او غيفارا، وحزام جلدي يباهي بأنه من جلد غزال، دون أن يقدم دليلا على صحة ذلك الزعم.
لم يكن يقدم أدلة ابدا على اي زعم!.
يسير وفي ركبه الانجم، ولا يلتفت لمن تاخر أو سقط أو انخرط في قطيع.
نزق الاهواء، مجنون حد الجنون، ومتواطيء أبدا مع الحياة.. بزخمها وعنفوان انهارها الوحشية.
واوصلته تلك الانهار الى نهايات تشبه الخيال.. سعيدة كوجه طفل، وحزينة، كخرق بالية تتقاذفها ريح الخريف.
ابداً لم يعتريه ندم على اي نهاية بلغها مهما بلغت خسارته .
خال تلك النهايات تجارب، مبلغ الخطى التي تتحرك ولا تبقى تراوح في نفس المكان.
وقوفه امام المرأة لطالما تعمّد بالموسيقى، اغان عذبة من زمن أخر.. تصعب استعادته مثلما يصعب استعادة حتى الاحساس القديم بذات الموسيقى والاغان.
وللزهور مكانة في مظهره، فقلما خلت عروة سترته وبعضا من دفاتره وكتبه الحميمة من زهرة.. لذكرى أو.. انتظار.
ودائما ثمة حب مستحيل في أحداقه، وإمراة تركت في شوارعه الممطرة ابداً.. زهرة سوداء.
لم تعد.. لأن لا أحد يعود.
لكن حزنا غامرا اعتراه مرات ومرات.. فالتجأ الى الجبال، دفن راسه في صمتها الشاسع، وعطر طرقاتها الوعرة بشيء من صلاة.
مازالت عيناه غائرة في عينيه.. وقبضته ممسكة بالفرشاة، حتى اعترى الخدر اليد الممدودة.. لا تفلح في لمس الغمام.
© 2009 البوابة(www.albawaba.com)