كان صعباً أن يلتقيا.. لكنهما ككل العشاق والمتمردين والمجانين حاولا اللقاء دون ندم.
الفتى الذي سار في طرقات الجبال فجراً، وأثملته روائح الزعتر والنباتات البرية وأشجار الصنوبر والسرو والبلوط، لم يكن يدر في خلده أنه سيراها في منتصف المنحدر.. سيدة للفجر والصمت الذي يحد الكون وأنشودة الأفاق والعصافير الصباحية.
صدفة قادته إلى تلك القرية الملقاة على شرفة المدى، حيث أقام، يتنفس الهواء صرفاً، ويكتب أنى انسكب من روحه حرف. ويشرد مع عرائس الفجر والريح والغابات والنجوم التي تقيم حيث تتعب الأرض وتنحني الربى.. ولهى ..
حيرتها أسئلتها، فسارت وهي ابنة تلك القرية، تبحث عن محراب قصي في أطرافها، تتأمل فيه وتستكين إلى يقين أو صلاة.
في انحدار الجبال التقيا.

أول ما داعب أفكارهما، سعادتهما باللقاء.
دار حديث بدا عابرا بين غريبين، عزز من قربهما، خيط واه ربط بين إنسانين في مقتبل العمر ومقتبل البراءة، يصبو لأن يتمتن.
عرفت بحلوله في القرية منذ أيام، أثار اهتمامها وتمنت في سرها أن تلتقيه، تلتقي المختلف، ليس بدينه مثلا، وإنما بكتاباته التي وقع نزر منها في يدها ذات عصر.
أكثر ما شدها في تلك الوريقات عاطفته القوية وكلمته التي تطرق القلب.
حين حدث اللقاء ودت لثانية لو انه لم يحدث.. في حين، اخذ الحديث بينهما يتسع، وقد أوقد ناراً، قال أنها لذكرى اللقاء.
تواعدا مجددا حين افترقا.حين سارت.. بدا الحصى ثملا في خطوتها، واشرأبت أعناق شقائق النعمان فأجفل الحجل واليمام والغمام.. وطار.
أمكنه أن يلحظ في السويعات التي تلت أن الربى ازدادت جمالا، وكسى البهاء طرقات الجبال والنباتات والأشجار ورؤياه..
تعددت لقاءاتهما في ذاك المنحدر، وأحاديثهما التي تطول وتطرقت من جملة ما تطرقت إليه، إلى أشياء صغيرة.. ود كل منهما ان يعرفها عن الأخر الذي تجسد فيه العالم.. وليس في سواه.
كان أتقن لعبة الاقتراب والبعد، والجهر والكتمان في آن، منذ زمن بعيد، بيد أنها كانت أكثر طهارة منه، وأكثر صدقاً.
حين قالت له أحبك!. حار بماذا يرد.
لم يكذب على نفسه. فقد كان يود سماعها بكل جوارحه. لكن ما استوقفه حقاً أنها قالتها ببساطة وطهر ونقاء كما يسقط المطر، كما تشرق الشمس أو ترحل مراكب إلى وجهتها.
تأخر في الرد فسألته، وكادت تعتذر عن صراحتها ونفسها تتشظى أغصاناً يانعة ونيراناً، لكنه أغلق فمها الحرير براحة يده، قائلا
: يا مجنونة.. أنا لا استفيق من ثملي بك.

ليس بمقدور الأشجار أن تسرد تفاصيل حميمة جمعت بين عاشقين تحت أغصانها. فمنذ زمن مغرق في البعد، عاهدت الأشجار العشاق أن تكتم ما تعرف.. فامنوا لها.
.. من أجل عينيها زار معبدها وصلى، ففي المحصلة النهائية ثمة اله واحد لكل البشر.
ومن أجل عينيها كتب ما لم يكتبه قبلا.
ومن أجل عينيها لطالما سار في تلك الدروب، في مواسم قطاف ثمار الدراق والخوخ واللوز والتفاح والزيتون.. وحين تذروا الرياح أوراق الخريف إلى تلك المنحدرات.
ومن أجل عينيها، حتى بعدما فرقتهما الدنيا. والدنيا تفرق لو تعلمون، ما زال يستقل سيارته ويمضي إلى أقرب جبل أو رابية، ويوقد ناراً..
لها.
خالد أبو الخير
© 2009 البوابة(www.albawaba.com)